حبيب الله الهاشمي الخوئي
66
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
واعلموا عباد اللَّه أنّ ما بعد الموت أشدّ من الموت لمن لم يغفر اللَّه له ويرحمه ، واحذروا القبر وضمّته ، وضيقه وظلمته فانّه الَّذي يتكلَّم كلّ يوم : أنا بيت التراب ، وأنا بيت الغربة ، وأنا بيت الدّود ، والقبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار ، إنّ المسلم إذا مات قالت الأرض : مرحبا وأهلا قد كنت ممّن احبّ أن تمشي على ظهري ، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك فيتّسع له مدّ بصره ، وإذا دفن الكافر قالت له الأرض : لا مرحبا ولا أهلا قد كنت ممّن ابغض أن تمشى على ظهري ، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك ، فتنضمّ عليه حتى تلتقى أضلاعه . واعلموا أنّ المعيشة الضّنك الَّتي قال سبحانه : * ( « ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ » ) * ، هي عذاب القبر فانّه يسلَّط على الكافر في قبره حيّات عظام تنهش لحمه حتّى يبعث لو أنّ تنّينا منها نفخ في الأرض ما أنبتت الزرع أبدا . واعلموا عباد اللَّه أنّ أجسادكم الرقيقة النّاعمة الَّتي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا ، فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر عليه فتعملوا بما أحبّ اللَّه سبحانه ، وتتركوا ما كره فافعلوا ، ولا حول ولا قوّة إلَّا باللَّه . واعلموا عباد اللَّه أنّ ما بعد القبر أشدّ من القبر يوم يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه الكبير وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت ، واحذروا يوما عبوسا قمطريرا كان شرّه مستطيرا ، أما إنّ شرّ ذلك اليوم وفزعه استطار حتّى فزعت منه الملائكة الَّذين ليست لهم ذنوب والسبع الشداد والجبال الأوتاد والأرضون المهاد وانشقّت السماء فهي يومئذ واهية وتغيّرت فكانت وردة كالدّهان ، وكانت الجبال سرابا بعد ما كانت صمّا صلابا ، يقول اللَّه سبحانه : * ( « ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ الله » ) * ، فكيف بمن يعصيه بالسمع والبصر واللَّسان واليد والفرج والبطن إن لم يغفر الله ويرحم واعلموا عباد اللَّه أنّ ما بعد ذلك اليوم أشدّ وأدهى ، نار قعرها بعيد ،